بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحمد لله الذي أنار القلوب بذكره، وطمأن النفوس بقربه، وفتح أبواب رحمته لعباده الذاكرين، فقال في كتابه الكريم:
{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152]
وقال تعالى:
{أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]
أيها الأحبة في الله، استحضروا القلوب، واجعلوا المحبة بينكم شريان التواصل، وبلغوا أنفسكم بحبكم لبعضكم في الله، وازرعوا الإخلاص في قلوبكم، وليكن دأبكم الذكر؛ فهو دأب الصالحين من قبلكم.
أحبتي في الله، حديثنا اليوم عن الذكر الذي يغفل عنه الكثيرون. إن الذكر من أعظم أبواب العبادة والتقرب إلى الله، فبه تحيا القلوب، ويربط العبد بربه، وهو باب من أبواب الطمأنينة والإيمان.
نلتقي اليوم في هذا المجلس الطيب لنحيي فيه أعظم العبادات، حيث قال الله تعالى:
{أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}
ولو تأملنا بأنفسنا لعلمنا أن:
الذكر من أيسر العبادات.
الذكر عبادة ليس لها وقت معلوم ولا زمن محدود.
يمكن للإنسان أن يؤديه في أي حال وبأي وضع.
فقال تعالى:
{الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191]
تصف هذه الآية حال المؤمنين الذين يذكرون الله في جميع أحوالهم، سواء كانوا واقفين أو جالسين أو مضطجعين. إنها تذكرنا بأن المؤمن يُستحب له ألا ينقطع ذكره لله حتى في أوقات الراحة والنوم.
هل تتخيل أن الذكر يمكن أداؤه حتى لو كنت جنبًا أو مكشوف العورة؟!
رغم أنها عبادة لا تحتاج جهدًا ولا مشقة ولا طهارة، إلا أنها من أعظم العبادات أجرًا.
وهنا وقفة لطيفة – والله أعلم – أذكركم بها ربما يغفل عنها كثيرون: لماذا فضّل سادتنا الذكر يومي الإثنين والخميس، وخاصة بعد صلاة العشاء؟ لأن الله يفضل الذاكرين في هذه الحلقات خاصة على أهل الذكر عامة. فبطهارتهم وإقامة الذكر بعد الصلاة، وبحبهم للذكر وهم أطهار، رفع الله درجاتهم فوق الذاكرين، بحبهم للذكر وللقاء الله على طهر. فما أعظم أحوالهم، وما أنقى نفوسهم!
نعم، نحن هنا نجلس في ذكر الله عز وجل، نجتمع سويًا لا لمال ولا لشهرة ولا لجاه، بل نبتغي رضا الله. نجلس لنحيي قلوبنا بكلمات الله وذكره، نرجو أن نكون من القوم الذين "لا يشقى بهم جليسهم" كما قال النبي ﷺ. فالذكر سبب لحياة القلوب، وسعة الصدر، ورضا الله.
أحبتي في الله، علينا أن نصفي نفوسنا وننقيها من شوائب الدنيا وأدرانها، ونتتبع أصول الذكر والدعوة إليه في قول الله تعالى:
{ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125]
فكيف ندعو إلى ذكر الله؟
إن الدعوة إلى ذكر الله منهج عظيم لا يقدر عليه غالبية الناس، فمن أراد السير فيه يحتاج إلى:
تعلم ثوابت الدين.
الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
أن يكون قدوة لغيره في حياته وأفعاله.
التذكير المباشر لبعضنا بلطف ومودة.
تبادل الصفات الحسنة والأفكار النافعة.
التواصل المستمر بين أهل الذكر.
الترهيب من الأعراض عن الذكر، فقال الله تعالى:
{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه: 124]
فمرحبًا بكم في حلقتنا، حلقة ذكر الله. أسأل الله أن يجعل هذه الحلقة جزءًا من حلقات حياة قلوبنا، واستقامة نفوسنا، وزيادة حسناتنا بإذنه. لنذكر بعضنا بفضل الذكر، والأذكار الواردة عن النبي ﷺ، وفضل أذكار اليوم والليلة، وأذكار الصباح والمساء.
ادعو الله لي ولكم بالتوفيق في حلقات ذكر الله، وسوف نوضح في الحلقات القادمة – إن شاء الله – أنواع الذكر، وصيغ الذكر الصحيحة الواردة في الكتاب والسنة، وأوقات الذكر وفضله، كل ذلك لتأصيل الذكر وفضله، حتى تنتعش القلوب والأرواح.
فاجعلوا نيتكم لله، واحتسبوا كل لحظة في هذا المجلس خالصة لله، فرب كلمة تهليل أو تسبيح ترفعكم درجات في الجنة. واعلموا أن مقدار الدرجة في الجنة مسافة خمسمائة سنة.
قال رسول الله ﷺ:
«ما اجتمع قوم يذكرون الله، لا يريدون بذلك إلا وجهه، إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وتنزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده، وناداهم منادٍ من السماء: قوموا مغفورًا لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات»
(رواه أحمد وغيره، وله شواهد تقويه)
نسأل الله أن يجعلنا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، وأن يبارك في هذه المجالس ويجعلها شاهدة لنا لا علينا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق