أم الشهيد
قالوا: مضى، فبكتْ عيناكِ: ما ماتِ
والقلبُ يُقسمُ: لا واللهِ ما ماتِ
جاؤوا بصورتِهِ، فاهتزَّ مُهجتُها
وضمَّها، وقالتِ العبراتُ: ما ماتِ
2
جاؤوا بحاجتِهِ المضرَّجةِ التي
تروي الحكايةَ، والأوجاعُ آهاتِ
قبَّلتِ الثوبَ، والإحساسُ يخذلُها
وقالتِ الدمعُ في خَدَّيها: ما ماتِ
3
وأبرزوا ورقةً من جيبِه سقطتْ
فيها وصيَّتُهُ تُتلى بإثباتِ
إن مُتُّ فازغردي صبرًا ولا تجزعي
فالصبرُ عزٌّ، وفيه الفوزُ والذاتِ
4
فاستقبلتْ نبأَ التوديعِ مُبتسِمًا
وزغردتْ، رغم ما في الصدرِ من لوعاتِ
حتى خبا الصوتُ، وانهدَّت قواها أسًى
وخرَّتِ الأرضَ، والأحزانُ طاماتِ
5
نادوا: أفيقي! ففتّشتْ الدروبَ لهُ
وسارَ في الروحِ تلهاثٌ وأنّاتِ
دخلتْ حجرتَهُ، والبيتُ موحشةٌ
لا شيء فيها سوى صمتٍ وإصماتِ
6
فتحتْ خزانتهُ، والوجدُ يسبقُها
ففاحَ عطرُ ربيعٍ من ثياباتِ
ضمَّتْ قميصًا، كأنَّ النبضَ يسكنُهُ
وجلستْ عند حدِّ السريرِ في سُباتِ
7
غفتْ، فراءتْهُ في رؤيا يُبشِّرُها
يضحكُ: أمّاهُ، إني لستُ بالأمواتِ
أنا حيٌّ، فخُذِي كفّي ولامسيني
واحضنيني، فإني ثابتُ الثباتِ
8
قال: اصبري، واثبتي، فالحقُّ مُرتجعٌ
وغدًا ترينَ جلاءَ الظلمِ والآفاتِ
سترينني في وجوهِ الصادقين غدًا
وفي الكفاحِ، وفي الأحرارِ والثباتِ
9
أنا الشهيدُ، وعُرسُ الخلدِ ينتظرُ
وفي الجنانِ نُعيمٌ غيرُ موقوتِ
فانهضي، وازرعي في الدربِ صابرةً
عزمًا، فإنَّ لنا في الصبرِ غاياتِ
10
قامت تقولُ: تهاوتْ كلُّ أمنيتي
من ذا سيلبسُ أثوابي وهباتي؟
من مُدَّخرِ العمرِ كنتُ اشتريتُ لهُ
حُلْمًا جميلاً... فوا حسرتاهُ فاتِ
11
يا قومُ، تلكَ زيارتهُ الأخيرةُ قد
ولّتْ، ولم يمكثِ المختارُ لحظاتِ
ما عادَ صوتُهُ يُحيي مسامعَنا
وبقيتُ وحدي، وفي صدري جراحاتِ
#ابراهيم_موسي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق