2026/06/30

في ذكري ابي

أيا والدي، يا طيِّبَ الذكرِ الذي
بقيتَ بقلبي، خالدًا مذكورَا

ويا سندًا، مضتِ السنونُ برحلةٍ،
لكنَّ روحَكَ لم تزلْ دستورَا

رحلتَ، ولم أبلغْ من العمرِ المُنى،
وتركتَ دربَ المجدِ لي ميسورَا

رحلتَ بأكتوبرٍ، والقلبُ لم يزلِ
يرعى الفراقَ، ويستعيدُ سعيرَا

إذا ضاقَ دربي لاحَ وجهُكَ باسِمًا،
فأرى رجاءَكَ في الفؤادِ منيرَا

وتهمسُ: اجعلْ بالعلومِ سُلَّمًا،
تلقَ العُلا، وتكنْ بها مأجورَا

ركبتُ وراءَكَ والدروبُ يسيرةٌ،
فوجدتُ نهجَ العزِّ فيكَ كبيرَا

وعلَّمتني أنَّ الكرامةَ رفعةٌ،
لا تنحني، وتظلُّ خيرَ شعورَا

وأنَّ الحقولَ إذا سُقيتَ وفاءَها،
أهدتْ إلى أربابِها تيسيرَا

وما ملَّ يومًا من سؤالٍ سألتُه،
بل كنتَ تفتحُ للهدى تنويرَا

وكانتْ أمانتُكَ العظيمةُ رايةً،
حتى دعاكَ الناسُ: "جبريلُ" فخورَا

فما خنتَ جارًا، أو ظلمتَ ضعيفَهُ،
أو بِعتَ ضميرَكَ يومَ صارَ عسيرَا

بل كنتَ تمضي، والضميرُ إمامُكَ،
وترى رضا الرحمنِ خيرَ أجورَا

وكم كنتَ تُخفي حاجتك كي نحيا
على أملٍ، وتحمِلُ صبرَكَ الميسورَا

وأمِّي شريكةُ دربِكَ الغرِّ التي
كانتْ لبيتِكَ رحمةً وسرورَا

دعائي لها كالدعاءِ لروحِكَ التي
ملأتْ حياتي برَّةً ونورَا

فيا ربِّ أنزلْ رحمةً ورضًا على
روحَيْهما، واجعلْ جنانَكَ دُورَا

واجمعهما في الخلدِ جمعًا طيبًا،
مع المصطفى، لينالا الحبورَا

سيبقى أبي تاجَ الزمانِ ومنبعًا
للأمنِ، يبقى في الفؤادِ أميرَا

أَبَتاهُ... إنَّ الناسَ بعدَ رحيلِهِمْ
منهمْ حديثٌ عابرٌ... وأثيــرُ

ومنَ الرجالِ مَنِ انطوَتْ أيّامُهُ
وبقيتَ أنتَ... كأنَّكَ التفسيرُ

خمسونَ عامًا، بل يزيدُ زمانُها،
والشوقُ طفلٌ في الفؤادِ كبيرُ

يا عبدَ فضيلِ، وما الفضائلُ كلُّها
إلّا وقد لبستْ لديكَ حضورَا

عشتَ الحياةَ بسيطَ عيشٍ، راضيًا،
لكنَّكَ استعلَيْتَ بالتقوَى كثيرَا

ما كنتَ تعرفُ للمناصبِ قيمةً،
لكنْ عرفتَ من المكارمِ نورَا

كانتْ حقولُكَ كالكتابِ، وكلُّ ما
فيها يحدِّثُ عن يديكَ سطورَا

وترابُها، لو كان ينطقُ، قال لي:
"هذا الذي سقانيَ العرقَ الطهورَا."

ولم يكنْ مالُ الحياةِ همَّكَ الذي
من أجلِهِ يتزاحمُ الجمهورُ

كان الهمُّ أن يحيا بنوكَ كرامةً،
ويكونَ شأنُهُمُ غدًا معمورَا

فغرستَ فيهمْ ما يفوقُ مزارعًا،
غرستَ خلقًا، واليقينَ، ونورَا...

رحلتَ... ولكنْ لم تغبْ عن خواطري،
فمَن عاشَ للأخلاقِ يبقى منيرَا.

وأمي... لها في القلبِ منزلةُ الرضا،
ولها من البرِّ الجميلِ حقوقَا

فلها دعائي مثلُ ما أهدي إلى
روحِ الكريمِ، تضرعًا وشفوقَا

يا ربِّ فاجعلْ قبرَهُما روضًا، ولا
تجعلْ بهِ إلا النعيمَ رفيقَا

واجمعْهُما بالأبرارِ تحتَ لوائِهم،
واسقِ الفؤادَ برحمةٍ وغدوقَا

سيظلُّ اسمُكَ في حياتي منبرًا،
وبه أعيشُ، وإن فقدتُ الطريقَا

إن كانَ للرجالِ فخرٌ يُرتجى
فأبي... وكانَ الفخرُ فيهِ عريقَا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق