الأخلاق
الأخلاق ليست زينةً تُرتدى أمام الناس ثم تُخلع عند غيابهم، وليست كلماتٍ تُقال في المجالس لتجميل الصورة، وإنما هي جوهر الإنسان الحقيقي، ومعدنه الذي يُعرف به عند المواقف والشدائد. فالمرء قد يُعجب الناس بعلمه، أو يلفت الأنظار ببلاغته، أو ينال مكانةً بين قومه، لكن كل ذلك يبهت إذا خلا من حسن الخلق، لأن الأخلاق هي الروح التي تمنح القيمة لكل فضيلة، وهي الميزان الذي تُوزن به النفوس.
ومن تمام الأخلاق أن يتحلى الإنسان بالعقل والحكمة، فلا يندفع خلف رأيٍ واحد، ولا يُسلم سمعه لأول قولٍ يسمعه، بل ينظر إلى الأمور من جميع جوانبها، ويستمع إلى الروايات المختلفة قبل أن يصدر حكمه. فكثيرٌ من الأحكام ظالمة لأنها وُلدت في عجلة، وكثيرٌ من الخصومات اشتعلت لأن أحدهم لم يتأنَّ، ولم يُعطِ الحقيقة حقها من التثبت والتفكير. والحكيم هو من يُدرك أن للوقائع أكثر من وجه، وأن الحقيقة لا تُنال بالصوت العالي، بل بالبحث الهادئ والنظر المنصف.
ومن الأخلاق كذلك ألا ينخدع الإنسان بالمظاهر، ولا يغتر بارتفاع الأصوات، فكم من مدّعٍ علا صياحه وهو فارغ المحتوى، وكم من صادقٍ خافت الصوت حمل من الحق ما لا يحمله الضجيج كله. وليس كل مشهورٍ صادقًا، ولا كل صامتٍ جاهلًا، فالقيمة ليست في كثرة الكلام، وإنما في صدقه ونفعه وأثره.
والعلم، على عظيم شأنه، لا يكتمل إلا إذا صاحبه الخلق الكريم. فكم من إنسانٍ نال أعلى الشهادات، وحاز من المعارف ما حاز، لكنه تعثر في معاملة الناس، وفشل في كسب قلوبهم، لأن العلم إذا خلا من التواضع والرحمة والصدق صار ناقصًا، بل قد يتحول إلى أداة كبرٍ وإيذاء. وفي المقابل، قد ترى رجلًا بسيطًا لم ينل حظًا كبيرًا من التعليم، لكنه يسمو بأدبه، ويعلو بحسن تعامله، فيحبه الناس ويوقرونه، لأن الأخلاق ترفع صاحبها وإن قلَّ علمه، كما أن سوء الخلق يهوي بصاحبه وإن كثرت معارفه.
إن الأخلاق هي الجمال الحقيقي للإنسان، وهي النور الذي يضيء وجهه وسيرته. فالصدق يبعث الطمأنينة، والأمانة تبني الثقة، والصبر يقوي النفس، والحلم يطفئ نار الغضب، والعفو يرفع قدر صاحبه، واللين يفتح القلوب المغلقة، والبشاشة صدقة لا تكلّف صاحبها شيئًا لكنها تُسعد من حوله كثيرًا.
ومن أسمى صور الأخلاق أن يكون الإنسان في خلوته كما هو في علانيته، مستقيمًا إذا غاب الرقيب، صادقًا إذا لم يره أحد، كريم النفس في السر كما هو في العلن. فالأخلاق الحقة لا تتبدل بتبدل الأماكن، ولا تتلون بتلون المصالح، وإنما تصدر من نفسٍ طيبة تربت على مراقبة الله، وحب الخير، وصيانة الكرامة.
ومن جعل الأخلاق منهجًا له، نال محبة الناس، واطمأن قلبه، وارتفعت منزلته في الدنيا والآخرة. فالأخلاق ليست أمرًا زائدًا في حياة الإنسان، بل هي أساس النجاح، وسر القبول، وعنوان الشخصية النبيلة. ومن أراد أن يُذكر بخير، وأن يترك أثرًا جميلًا بعد رحيله، فليجعل حسن الخلق رفيقه الدائم، فإنه الإرث الذي لا يزول.
#اخلاقيات
#ابراهيم_موسي_الشهير_بن_جبرين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق