فضفضة في طريق الذكريات
الطَّريقِ—طريقُ الذِّكرياتِ—لهُ سِحْرُ الأسْرارِ
يُداعِبُ في ليلِ السُّكونِ فُؤادَنا بينَ انكسارٍ وازدهارِ
تُباغِتُنا الذِّكرى بلا استئذانِ، تَسري كأطيافِ النَّهارِ
فتُضحِكُ قلبًا ثمَّ تُبكيهِ، في آنٍ، بفيضٍ من حنينٍ مُستعارِ
طريقٌ وما هو بالمُستقيمِ، بهِ التِّلالُ معَ الوِهادِ معَ العِثارِ
منعطفاتُ الشَّوقِ تُرهقُ خُطوتي، وتُثيرُ في صدري السُّعارِ
بِدَايَتُهُ اشتعالٌ، كأنَّ القلبَ مِحرابُ النِّزالِ الجارِ
تقولُ الذِّكرى: عُدْ إليَّ فإِنَّني دِفءُ المُنى وزَلالُ عُمرِكَ في انهمارِ
فيردُّ حاضِرُنا: ولكنَّكِ الألَمُ الذي يُحيي الجراحَ بعد اندِثارِ
وما بينَ حُبٍّ للنُّهوضِ ونسيانٍ يُريدُ الرَّاحَ في طيِّ الغُبارِ
يقولُ الحنينُ: تذكَّرِ الأفراحَ، كيفَ تفتَّحت كالأزهارِ
ويهمِسُ النِّسيانُ: دَعْها تستريحُ، فربَّما الإحياءُ يُدنيكَ من خَطَرِ الانكسارِ
ونشكرُ ما أعطتْ لنا من لذَّةٍ، علَّمتِ القلبَ التَّوادُدَ والوقارِ
ونأسفُ للأوجاعِ إذ صاغت لنا درسَ الجراحِ بمرِّ نارِ
أَنُبقيها لنستمدَّ القوَّةَ العُظمى، فنُشعِلُ في الدُّجى نورَ انتصارِ؟
أمِ نُهدي لها وداعًا رقيقًا، لنمضي خِفَّةَ الرُّوحِ في اختيارِ؟
وفي عُمقِ روحٍ، حيثُ ظلِّي يلتقي خُطواتِ عُمري في المَدارِ
يمتدُّ هذا الدَّربُ—سِجالٌ—بينَ ماضٍ قد تلاشى، وآتٍ في انتظارِ
تُنادينا أصواتٌ: ضحكاتُ الصِّحابِ، وهمسُ حبٍّ في انكسارِ
وصوتُ الأُمومةِ، عطرُ طفولتنا، وطعمُ فُرقةٍ مُرٌّ كالنَّارِ
تجيءُ الذِّكرى طورًا كالنسيمِ، كأوَّلِ اللَّحظاتِ، كالأقمارِ
وطورًا كعاصفةِ الفُقدِ، تُلقي في الفؤادِ ثِقالَ أوجاعٍ وحِصارِ
فتتشعَّبُ الدُّروبُ: فريقٌ يمضي قُدُمًا نحوَ إشراقِ النهارِ
وآخرُ يرجعُ خُطوةً لِيُلامسَ الجُرحَ القديمَ بلا فِرارِ
ومهما انتهى دربُ المسيرِ، فلن ينالَ الذِّكرَ حدُّ الانتهاءِ أو انحسارِ
فهيَ الكِيانُ، وهيَ البقاءُ، وهيَ سرُّ النَّبضِ في عمقِ المدارِ
ولكنَّ فضفضة القلبِ قد تهدأُ يومًا، أو يُشعلُ الحربَ الكِبارِ
وسِرُّ النَّجاةِ توازُنٌ: أن نحتفي بالضوءِ، لا نرضى ظلامَ الانحصارِ
نُبقي الجميلَ وقودَ أملٍ، ونَعي الدُّروسَ بلا انكسارِ
فمَن سارَ في دربِ الذِّكرياتِ بشجاعةٍ، نالَ القُوَّةَ والانتصارِ
ومن خافَ ظلَّهُ القديمَ، بَقِيَ أسيرَ الوهمِ في سِجنِ الغُبارِ.
#فضفضة
#إبراهيم_موسي_الشهير_بن_جبرين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق