قصيدة: كان حدانا في البلد
كانَ عندنا في البلادِ زمانْ
نَبضُ القلوبِ مَودّةٌ وأمانْ
تُدعى الصغارُ كبارَهم بقرابةٍ
عَمًّا وخالًا… ما بها نُكرانْ
والحبُّ يسكنُ في النداءِ تواضعًا
لا قهرَ فيهِ ولا بهِ إذعانْ
والمرءُ يخفضُ رأسَهُ إجلالَ من
سبقوهُ، ذاكَ الأدبُ العنوانْ
يُقبّلُ الأيديَ التي ربّتْهُ، لا
يعلو، ولا يَغترُّ بالتيجانْ
والضيفُ بابُ الدارِ مفتوحٌ لهُ
وكأنما الدنيا لهُ ميدانْ
إن جاءَ حزنٌ هبَّ كلُّ مُواسيًا
وتكاتفَتْ في حملهِ الأبدانْ
وإذا الفرحْ عمَّ القلوبَ رأيتَهم
جمعًا، كأنَّ الأرضَ مهرجانْ
لا كارتَ يُدعى، لا قيودَ تفرّقٌ
الكلُّ أهلٌ، والسرورُ بيانْ
والصبحُ يبدأُ بالكداحِ بجدّهم
والأرضُ تروى، يَرتوي الإنسانْ
صوتُ الديوكِ معَ المياهِ ترنّمٌ
والطيرُ يذكرُ ربَّهُ سبحانْ
والخيرُ يمشي في الطرقاتِ سجيّةً
“خُذْ يا أخي” في البذلِ إحسانْ
بصلٌ وطعمُ الطينِ فيهِ محبّةٌ
وطماطمٌ، وكأنها بستانْ
والليلُ يأتي، والوجوهُ مُتعبةٌ
لكنّها رغمَ الشقاءِ حِسانْ
ناموا قريري عينِهم، لم يعرفوا
وجعَ النفوسِ ولا بهِ هذيانْ
ضحكٌ يفيضُ من القلوبِ نقاوةً
وكلامُهم شهدٌ بهِ أوزانْ
“صباحُ خيرٍ”… “العوافي”… لفظُهم
عذبٌ، كأنَّ الحرفَ ريحانْ
والجدُّ “سيدي”، وفي ملامحِهِ حِكا
يا تُروى، بها التاريخُ والوجدانْ
والطفلُ يجلسُ يستقي من حكمهِ
علمًا، فذاكَ النبعُ والعنوانْ
لا كُتبَ غربٍ تُستعارُ لفهمِهِ
بل من مجالسِ أهلِهِ البرهانْ
واللبنُ يُهدى للجوارِ محبّةً
والخيرُ يَسري بينَهم تيّانْ
والبابُ مفتوحٌ، ونومٌ هادئٌ
لا خوفَ، لا قلقٌ، ولا حرمانْ
أدبٌ، وحياءٌ، والوقارُ سجيّةٌ
فيهم، وذلكَ معدنُ الإنسانْ
قد غابَ بعضُ الحُسنِ من أيامِنا
لكنَّ في الباقي بقايا شانْ
يا ليتَ دهرَ الصفوِ يرجعُ لحظةً
أو يستعيدُ صفاءَهُ إنسانْ
رحمَ الإلهُ زمانَهم وديارَهم
وتحيّةٌ لجمالِ ذاكَ زمانْ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق